سلمان سالم
منذ وجود إنسان البحرين على هذه الأرض الطيبة، وهو يعمل بكل جد على ترسيخ الوحدة الوطنية بين مختلف مكوناته المذهبية والطائفية والعرقية، ولم يخطر بباله أبداً أن يأتي اليوم الذي تعمل فيه وسائل الإعلام الرسمية والجهات الايديولوجية التي لا تؤمن بفكرة التلاحم الوطني على بث الطائفية البغيضة بكل وضوح في خطبها وبياناتها وتصريحاتها ونعوتها الساقطة على مكون من مكونات الوطن، والتي يقصد من ورائها تفتيت التلاحم بين فئات وأعراق المجتمع الذي أقام أعمدته الآباء والأجداد ورسخوها في نفوس الأبناء، منذ حملات الغوص التي تبقى عدة شهور في البحر، من مختلف أطياف هذا الوطن لقرون.
وكانت هيئة الاتحاد الوطني التي تشكّلت من الشيعة والسنة في خمسينيات القرن الماضي، خير دليل على الوعي الوطني الذي تمتع به ذلك الجيل، والذي تفتقده مع الأسف الشديد بعض التيارات السياسية في وقتنا الحاضر لاعتمادها على الطرح الطائفي، لشعورها أن التلاحم بين أبناء الوطن قد يؤثر سلباً على موقعها الاجتماعي والسياسي بين الناس. وفي اعتقادها أن التفرقة الطائفية هي السبيل الأسهل الذي يثبت وجودها في بعض الأوساط الاجتماعية.
وقد فطن ذاك الرعيل للعبة جيداً، ولم ينجر إلى الطائفية كما تريد بعض الأطراف الحالية، ولهذا أفشل المشروع الطائفي الذي استهدف كل أبناء الوطن قبل أن يولد، ونجح في تجنيب البلد فتنة طائفية كادت أن تحدث، لولا تصدي العقلاء لها ووعي المواطنين آنذاك.
ولم تفلح الممارسات الطائفية في تغيير الثقافة الوطنية التي يتمتع بها أبناء هذا البلد، لعلمهم بمدى خطورته على البلاد والعباد.
والمؤسف اليوم حين يتحدّث أحد النواب عن تقسيم الوحدات الإسكانية طائفياً، وأن يبعد مساكن السنة عن الشيعة حتى لا تحدث مشاكل بينهما كما يدعي! والنائب الذي يطرح هذه الفكرة الطائفية في أحد المنتديات الخاصة من منطقة يعيش فيها السني إلى جانب الشيعي منذ أكثر من أربعين سنة في وئام وسلام، ولم يسجل يوماً أن حدثت في هذه المدينة التي أسست العام 1968 أية مشاكل بين أفراد أو جماعات على خلفية طائفية. وهو يحاول الآن تنفيذ لعبة طائفية خطيرة على الوطن من خلال تشويه العلاقة الوطنية السائدة بين السنة والشيعة، بإيهام الناس بوجود مشاكل طائفية بين أبناء المنطقة الواحدة، وكأنه لم يعش بينهم ولم يعرف سجاياهم الطيبة، وهو اليوم يتحدث في أحد المنتديات عن مخطط طائفي رهيب لا يدعو إليه إلا من تلوث فكره وثقافته بالطائفية البغيضة. فكيف يدعو إلى فصل الشيعة عن السنة في الوحدات الإسكانية؟ وهم الذين عاشوا حياتهم معاً على الحلوة والمرة كما يقولون.
هل ما ينادي به هذا النائب وأمثاله يتطابق مع كلام الله الداعي إلى الاعتصام بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وهل ستأخذ وزارة الإسكان بهذا الرأي الذي يهدم المجتمع ويخالف الروح الوطنية؟ وهل ستأخذ فعلاً بمثل هذه الثقافة النابعة من مؤثرات نفسية حاقدة لتكون برنامجاً استراتيجياً في توزيع الوحدات الإسكانية؟ إنه لأمر غريب جداً أن تطرح في الألفية الثالثة مثل هذه الأفكار الهدّامة لدعائم المجتمع الوطنية، ويُرحّب بها من قبل جهات رسمية؟ فما هكذا تبنى الأوطان القوية، ولا تقوم على ردود أفعال نفسية غير محسوبة العواقب، ولا يبنى الوطن إلا بتلاحم وتآخي ومحبة مكوناته.
إن من يفكر بفصل الأخوة الشيعة عن السنة، أو السنة عن الشيعة، أياً كان مشربه الفكري أو العقائدي أو الحزبي، سنياً كان أو شيعياً، يسارياً أو علمانياً، فإنه يكشف عن ثقافة حقدٍ وكراهيةٍ وطائفيةٍ، ولن يقبل منه العقلاء أي مبرّر في هذا المجال، فكل المبررات التي تؤسس على الطائفية تكون ساقطةً وطنياً وأخلاقياً ودينياً وإنسانياً، هي وأصحابها. وهذا الشعور الطائفي المعشش في أذهان بعض النواب الطائفيين، ليس ناتجاً عن حب أبناء هذه الطائفة وكره أبناء تلك الطائفة، وإنما ناتج عن حب الكراسي السياسية التي لا يحصلون عليها باعتقادهم إلا عبر هذه الأساليب الخبيثة التي تقصم ظهر الوطن.
إن كلامنا ليس مع نواب الطائفية، وإنّما مع وزارة الإسكان التي أخذت بتفعيل هذا النهج الطائفي في توزيع الوحدات الإسكانية بحسب قول النائب في أحد المنتديات، حيث أشار بالحرف الواحد إلى أنه وأمثاله بدأوا بإرسال مسجات إلى أصحاب الطلبات الإسكانية للعام 1993 فما فوق لتحقيق طلباتهم الإسكانية بحسب المنهجية الطائفية. وبعدها يدعي النائب أنه يمثل الشعب! فكيف تسمح وزارة الإسكان لنفسها أن تكون طرفاً في تنفيذ هذا النهج الطائفي؟ وهل به خير للوطن؟ وإذا كان في صالح الوطن فلماذا لم تعلن عنه في الصحافة المحلية وتترك نواب الطائفية يتبجحون بما يعتبرونه إنجازاً في منتدياتهم الخاصة؟
حماك الله يا وطني بوعي وإدراك جميع الخيرين في هذا البلد الطيب من مثل هذه الأفكار والأفعال الطائفية التي يراد منها تخريب نسيجك الوطني الذي رسخه الآباء والأجداد منذ زمن بعيد.