قاسم حسين
ألمحت الجهات الحقوقية الأهلية إلى أنها ستركز على طرح قضية السجناء في سجن جو المركزي في جلسات المراجعة الحقوقية المقبلة لملف حقوق البحرين في جنيف.
مجمع جو الواقع جنوب البحرين، يضم عدة سجون وعنابر، وربما يتسع لأكبر عدد من السجناء. وقد كان مسرحاً لحوادث مؤسفة بين السجناء وقوات الأمن، ومصدراً دائماً لشكاوى السجناء والأهالي على الدوام، من سوء المعاملة وإجراءات التضييق عليهم. ومن المفترض أن المعتقل بعدما يصدر ضده حكمٌ يتحوّل إلى سجين، وتنحو حياته باتجاه نمطٍ من الرتابة والاستقرار، وهو استقرارٌ يعتمد كثيراً على السياسات المتبعة وطريقة معاملة السجناء.
معاناة السجناء والأهالي وشكاواهم، كثيراً ما لا تجد آذاناً صاغية، فتستمر المعاناة وتستمر انتهاكات حقوق السجناء، والتضييق على أهاليهم، خصوصاً أثناء الزيارات الشهرية أو نصف الشهرية، فتتحوّل هذه الزيارات نفسها إلى مصدر إضافي للمعاناة، خصوصاً حين تنتشر أخبارٌ عن حدوث مناوشات أو مواجهات أو صدامات داخل السجن، وما يتلوها من أخبار عن ضرب وتعذيب وعقوبات.
في الجلسة التضامنية التي احتضنتها قاعة فلسطين بجمعية «وعد»، مساء الأربعاء (22 ابريل/ نيسان الجاري)، أتيحت للجمهور سماع شهادات الأهالي، الذين جاءوا من مناطق مختلفة من البحرين، آباء وأمهات وأخوات وزوجات، أكثرهم سردوا جانباً بسيطاً من تجاربهم ومعاناتهم، وقلقهم على أبنائهم وأخوانهم. كلماتهم كانت ثقيلة، تخرج مثل الكلمات المتقطعة، في عبارات قصيرة، كلها تدور حول القلق والخوف على مصير أبنائهم، الذين يُفترض أن يكونوا بيدٍ أمينةٍ تمثل الدولة، وجهة محايدة تتولى تطبيق القانون بنزاهة مع الالتزام بأقصى درجة من احترام حقوق الإنسان. فالسجين يجب ألا يتعرض للتعذيب أو الإجراءات التعسفية أو أشكال الانتقام بعدما يصدر ضده حكم القضاء.
إحدى المتحدثات أختٌ لسجين، وزوجةٌ لأحد المسقط جنسيتهم، شاهدت في المقطع المصوّر الذي تسرّب من داخل السجن، قريبها مغشى عليه، ولا يستطيع التنفس، فلجأت إلى التظلمات، فطلبوا منها نسخةً من الشريط، وسلمتهم نسخة لكن دون أن تصل إلى نتيجة. وبعد أسابيع من المنع تم السماح لهم بزيارته، واضطربت العائلة حين شاهدته هزيلاً فقد الكثير من وزنه، في وضع نفسي مضطرب، فانخرط الجميع في وصلةٍ طويلةٍ من البكاء.
سجينٌ آخر انقطعت أخباره عن عائلته لأسابيع، وكان يسمح له باتصال هاتفي لدقيقة واحدة فقط، ومن السهل جداً أن تكتشف التعب والإجهاد من الصوت، وحين صارحهم بأنهم مازالوا يتعرضون للتعذيب قُطع الاتصال. ويشكو الأب من أن الجهات المسئولة لم تسمح باستلام ملابس لابنه، حيث مازال يرتدي ملابسه الأولى، فكيف يمكن أن يبقى إنسان بملابسه لأسابيع دون تبديل أو استحمام؟ ويسأل: إلى متى سيستمر التعذيب؟
الأغرب من ذلك ما نقلته إحدى الأمهات المفجوعات من أن ابنها تعرّض للضرب المبرّح لأن أحدهم طلب منه أداء التحية العسكرية له فرفض باعتباره سجيناً وليس رجل أمن، وذلك قبل ساعة واحدة من موعد الزيارة. وهي حادثةٌ سُردت في محفلٍ عام، وسمعها المئات، وتداولتها وسائل التواصل الاجتماعي، ما يستدعي التحقيق الجاد من قبل وزارة الداخلية، للوقوف على مدى قانونية الطلب من سجينٍ أداء التحية العسكرية لضابط شرطة أو مخالفتها للقانون.
أمٌّ أخرى تحدّثت عن ابنها الشاب الذي حُكم عليه بـ 15 عاماً، ومتهمٌ بـ 8 قضايا أخرى، وحين ذهبت لزيارته للمرة الأولى لم تتعرف عليه بسبب ما تعرّض له من «سوء معاملة» و«أذى جسدي كبير»، ولن نقول «التعذيب» لأن هذه الكلمة تجرح مشاعر بعض من يعنيهم أمر التعذيب بالسجون.
سؤالٌ أخير عن هذه الظاهرة التي باتت مرتبطة بالسجون في بلدنا البحرين: لماذا لا تتعرّف الكثير من عوائل السجناء على أبنائها في الزيارة الأولى؟ وهو سؤالٌ جوهري يستحق من الجميع محاولة العثور له على جواب.